الإيجابية الدرس الثالث تصحيح بعض المفاهيم


الإيجابية حياة الأفراد والمجتمعات (3)
كما تكلمنا في الدرسين السابقين عن
  1.  حياه الافراد والمجتعمات مقدمه 
  2. قيمه الايجابيه واهميتها 
  3. نتكلم عن تصحيح المفاهيم
 

3-تعمل على تصحيح المفاهيم
المجتمع الإنساني تتفاوت فيه مستويات الفهم؛ فهناك من يسير على الجادة، وهناك من ينحرف به الطريق، والمجتمع الإسلامي ليس بدعًا في هذا الأمر، ولكن ما العاصم إذا ما حدث انحراف في الفهم؟
هنا لم يتركنا الإسلام للأهواء تتقاذفنا حيث تشاء، ولكنه وضح لنا المنهج؛ حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي"([1][1]).
فنرى هنا أن الفهم الصحيح يعتمد على شقين: شق نظري، وشق تطبيقي. أما النظري فهو كتاب الله، وأما العملي فهم القائمون على تطبيق ما جاء في كتاب الله، وعلى رأس هؤلاء عترة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.
ولو أن الأمر ترك هكذا كلٌ يفعل ما يراه صوابًا دون مرجعية من العلماء العاملين الذين يقفون بالمرصاد لكل من أخطأ الطريق، لوجدنا أن الإسلام ينشعب بعدد الآراء والأهواء.
وقد حدث في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن ثلاثة رهط جاءوا: إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"([1][2]).
فانظر -أيها الأخ الحبيب- شرح الله صدرك ويسر لك أمرك إلى حبيبك ومعلمك النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو يصحح المفاهيم المغلوطة؛ فقد بيّن في هذا الحديث أن ديننا دين الوسطية حيث لا إفراط ولا تفريط؛ فهو الدين الذي جاء ليصلح لكل زمان ومكان، وكل عصر ومصر، فلا مغالاة فيه ولا تقصير، فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بشر وقوته وإمكاناته بشرية وهو يحتاج إلى النوم لكي يستعين به على القيام بين يدي الله عز وجل، ويحتاج إلى الفطر ليستعين به على الصيام، ويتزوج النساء؛ لأن هذه هي شريعة الله وفطرة الله التي فطر الناس عليها، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، والذي يريد أن يخالف فطرة الله التي فطر الناس عليها إنما هو واحد من اثنين لا ثالث لهما: إما جاهل بأمور الشريعة، فهو يخبط خبط عشواء، لا يدري له وجهة يتوجه إليها، وطريقًا مستقيمًا يسلكه، وإما إنسان منكوس الفطرة لا يعلم الحكمة من وراء سنن الله، فهو لا يحكم عقله، ولا يمعن نظره، فهو هالك لا محالة.
والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في هذا الحديث الشريف أراد أن يرشد هؤلاء الثلاثة إلى ما هو أقوم قيلاً وأهدى سبيلاً، فجاءت كلماته -صلى الله عليه وآله وسلم- في معرض حديثه إليهم كالدواء الناجع الذي لامس موطن الداء ومكمن العلة، فكان له من الأثر الشيء العظيم، ولما لا وهو الصادق المعصوم -صلى الله عليه وآله وسلم- المعلم الأول، والمربي الأعظم، الذي لا ينطق عن الهوى، بآبائنا هو وأمهاتنا -صلى الله عليه وآله وسلم.
4-تمنع من جور الحكام والسلاطين
الحاكم ما هو إلا فرد من أفراد المجتمع، وقد خوله هذا المجتمع أن يباشر حكمهم، فإذا قام بينهم بالعدل فهذا غاية المنى، وإن لم يعدل وجب على مجتمعه أن يبين له مغبة ظلمه.
وما تجبر المتجبرون إلا عندما عجزت شعوبهم أن تردهم عن غيهم، والإيجابية تمنع من جور الحاكم، وتساعد على رد المظالم إلى أهلها؛ فالحاكم إذا سولت له نفسه أن يجور على الرعية، ولا يقسم بالسوية، ووجد من يصده من العلماء المخلصين العاملين الذين يبلغون رسالات ربهم، ولا يخشون لومة لائم فهو لا محالة منتهٍ عما يفكر فيه؛ لأن العلماء العاملين سيقفون في طريقه حجر عثرة لا يستطيع أن يتخطاها.
أما إذا لم يرتدع ولم ينته عن غيه وتمادى في ظلمه، وخشي الناس بطشه، وخافوا غوائله، عندئذٍ عظّم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أجر من يقف في وجهه قائلاً كلمة الحق، واعتبرها أفضل الجهاد، أخرج ابن ماجه في سننه أن رجلاً عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الْجَمْرَةِ الأُولَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَأَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ سَأَلَهُ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ لِيَرْكَبَ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟" قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ".
ودائمًا الحرُّ الأبيُّ هو الذي يأبى الضيم والذل والهوان، ولكن العاجز الذي هانت عليه نفسه هو الذي يهون على الناس، وكما قال المتنبي:
مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ


ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ


والقاري لكتب السِّيَر والتواريخ يجد أن الأحرار كانت لهم المكانة العليا، والدور الرفيع في نصائح الخلفاء وحثهم على الخير، وقبول الحكام لهذه النصائح ما دامت خالصة لوجه الله.
وقد وضح الخليفة الأول العلاقة بين الحكّام والمحكومين في أول خطاب له للأمة بعد أن حمل عبء الخلافة فقال بعد حمد الله والثناء عليه بالذي هو أهله: "أما بعد، أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه -إن شاء الله، والقوي منكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه -إن شاء الله، لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله؛ فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله"([1][3]).
لله درك يا أبا بكر، ما أحسن تواضعك! وما أخلص صدقك! وما أوسع رحمتك برعيتك! وما أعظم مراقبتك لخالقك! فوالله لأنت النموذج الأمثل بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي يجب أن يحتذى به ويقتدى.
وإذا تركنا الصدّيق لنذهب إلى الفاروق لوجدنا عجبًا؛ فقد "أتى عمرُ مشربةَ بني حارثة فوجد محمد بن مسلمة فقال: يا محمد، كيف تراني؟ قال: أراك كما أحب، وكما يحب من يحب لك الخير، قويًّا على جمع المال، عفيفًا عنه، عدلاً في قسمه، ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف. قال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني"([1][4]).
رحم الله أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، ورحم الصحابي الجليل محمد بن مسلمة، فلو سمع أحد حكام هذا العصر هذا الكلام لقامت الدنيا ولم تقعد، رغم أنه لم يبلغ عدل عمر ولا نصيفه.
وقد "دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك -وهو جالس على السرير- وحوله الأشراف، وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما بصر به عبد الملك قام إليه فسلم عليه وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال: يا أبا محمد، حاجتك؟
قال: يا أمير المؤمنين، اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة، واتق في أولاد المهاجرين والأنصار؛ فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور؛ فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين؛ فإنك وحدك المسئول عنهم، واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق دونهم بابك.
فقال له: أفعل.
ثم نهض وقام، فقبض عليه عبد الملك وقال: يا أبا محمد، إنما سألتنا حوائج غيرك وقد قضيناها، فما حاجتك؟
قال: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج. فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف. هذا وأبيك السؤدد"([1][5]).
فهذا عبد الملك بن مروان رغم ما بلغه من القوة والسيطرة على دولته، وقهره لكل من وقف أمامه أو خرج عليه، يسمع لعطاء بن أبي رباح دون إظهار لتبرم أو ضيق.
ولم يفت خلفاء بني العباس حسن الاستماع إلى رعيتهم إذا ظهر ما يسوء الرعية؛ فقد "قال إسماعيل بن عياش: ولي السفاح فظهر جور بإفريقية، فوفد ابن أنعم على أبي جعفر مشتكيًا ثم قال: جئت لأعلمك بالجور ببلدنا، فإذا هو يخرج من دارك، فغضب وهمّ به. وقيل: قال له: كيف لي بأعوان. قال: أفليس عمر بن عبد العزيز كان يقول: الوالي بمنزلة السوق يجلب إليه ما ينفق فيه؟ فأطرق طويلاً، فأومأ إلي الربيع الحاجب بالخروج"([1][6]).
من خلال ما سبق نجد أمرين: الأول: أن الخلفاء أحسنوا الاستماع لمن تقدم لهم بكلمة نصح لوجه الله تعالى.
والثاني: أن الرعية لم تبخل بالنصح للخلفاء.
ومن هنا نجد أن الكل قد عرف ما له وما عليه؛ ولذلك ساد الإسلام الأمم بأمثال هؤلاء الحكام والمحكومين.
أما إذا أصبح الناس سلبيين غير مبالين بما يحدث لهم وحولهم، فهنا يتحقق فيهم قول الصادق المصدوق -صلى الله عليه وآله وسلم- عند خطابه للمهاجرين: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ -وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ"([1][7]).
ففي هذا الحديث إنذار شديد اللهجة من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يحذر فيه الأمة من انتشار السلبية واللامبالاة، ويحثها على الإيجابية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
فانظر كيف أن السلبية مقيتة، وأن عواقبها وخيمة؛ فالأمراض الفتاكة والأوجاع نتيجة حتمية لذيوع الفواحش، وجور السلطان وظهور المجاعات مترتب على إنقاص المكيال والميزان..إلخ.
فمن يظلم الناس حقوقهم يسلط الله عليه من يظلمه ويسلبه حقه؛ فهي أمور مرتبة بعضها على بعض.
مدونه شباب مصر نحمل الخير لمصر وجميع الناس
لاتنسي ان تشكر من تعب في هذا
تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المدونة وشكرا
abuiyad